ذكرى إعلان الاستقلال والمأْزم الطائفي
في العاشر من أغسطس/آب نشرت ‘’الوقت’’ خبراً تصّدر صفحتها الأولى عن استئنافها ‘’حملتها ضد الطائفية والطائفيين’’ تحت شعار: ‘’أن تكون البحرين لكل البحرينيين. أن يكون كل البحرينيين للبحرين الوطن[1]’’. أتى استئناف تلك الحملة في إطار الجهود الرامية لمواجهة المأْزم الطائفي الذي فضحته تصريحات النائبين حمزة الديري وجاسم السعيدي. إلا أن قارئ الصفحة الأولى من العدد نفسه سيجد عدداً آخر من الأخبار التي تشير ومن زوايا مختلفة إلى حاجتنا لأن تكون البحرين لنا جميعاً. وهي أخبار تعيد التأكيد على أننا ما نزال نحبو باتجاه إنجاز مشروع بناء دولة يتحول كل رعاياها إلى مواطنين رغم أننا نخطو أعتاب العام السابع والثلاثين على إعلان الاستقلال.
تمر ذكرى إعلان الاستقلال ونحن نلامس الحضيض الذي وصلت إليه الحالة الطائفية في البلاد كشفته تصريحات النائبيْن الديري والسعيدي. فلقد استنفر التصريحان المزيد من قوى الطائفية تحت راية تقول ‘’انصر أخاك حتى لو كان ظالماً’’. ولقد فضحت تلك التصريحات وتداعياتها هشاشة وضعنا الوطني من جهة وضيق المأزم الذي أوصلتنا إليه القوى المستفيدة من الطائفية من الجهة الأخرى. أشدد على صفة ‘’المستفيدة’’ لأن الطائفية، حسبما أراها، ليست نتاج مشاعر أو حتى معتقدات بل هي محصلة حساب مصالح قبل كل شيء. هيَ، بكلمات أخرى، ليست أيديولوجيا بل استراتيجيا.
في هذا الجو البائس رأيتُ إحدى العلامات الإيجابية فيما نشرته الصحف المحلية عن خطبة الشيخ صلاح الجودر والتي أشار فيها إلى اقتتال الإخوة في العراق تحت حجة ‘’حب الصحابة وآل بيت النبي’’. وحذر من افتعال المزيد من الصراعات الداخلية بما فيها تلك التصريحات المتضادة بين بعض النواب في البحرين والتي تزيد المرحلة سوءاً وتعقيداً. وشدد الشيخ الجودر على أن الانشغال بتبادل النعوت من قبيل ‘’ناصبي أو رافضي أو تكفيري أو صفوي’’ هو على حساب ملفات أساسية كان يتوجب على النواب، وغيرهم من الفاعلين السياسيين وأصحاب الرأي في البلاد التصدي لها. وإن الاستمرار في هذه الانشغالات سينتهي بضياع الوطن وحقوق المواطنين. وتساءل الشيخ الجودر موجهاً حديثه لنوابنا الأشاوس ‘’أين ملف الإسكان والبطالة والفقر ومحاربة الفساد ومكافحة الطائفية؟ أين مساعيكم لإيقاف تدمير خليج توبلي ومشروع مصنع الإسمنت والتلوث البيئي؟ (…) هل انتهيتم من كل تلك الملفات حتى لم يبق سوى ملف العقائد والمذاهب والأديان؟[2]’’.
أشارك الأخ الجودر قلقه وأشدد على تأكيده على ضرورة تحذير أعضاء البرلمان من مغبة ما يفعلون بنا وبالوطن. وكذلك في ضرورة توجيه الأنظار إلى الخذلان الذي نشعر به جميعاً جراء بعض تصرفاتهم. لقد افترضناهم ممثلين للشعب كله إلا أننا صرنا نراهم يتصرفون كممثلين لتعاضدياتهم. وبدل أن يمارسوا دورهم نواباً للشعب كله صار كلٌ منهم ممثلاً لمصالح متنفذين في طائفته أو منطقته أو قبيلته. وبدلاً من العمل على السعي لتكريس حقوق المواطنة صار أغلبهم يتنافس على إذكاء مشاعر العداء وأسباب الفرقة بين الناس.
إلا أنني أرى، ولا أظن الشيخ الجودر يختلف معي، ضرورة إبراز مسؤولية متخذي القرار في الدولة وفي المجتمع فيما نحن فيه وفيم سننحدر إليه. فعلى أكتاف هؤلاء، قبل السعيدي أو الديرى وبقية النواب، تقع مسؤولية حرماننا من المساحات الوطنية المشتركة التي تجمع الناس في انتماء مشترك وعلى أساس المساواة في الحقوق والواجبات. لقد دعا كثيرون من المعنيين بمستقبل البلاد وأهلاه ورفاههم إلى الانتباه إلى حاجتنا إلى ترسيخ انتمائنا إلى الوطن لا عن طريق ترديد الأغاني والقصائد والخطب الفارغة بل عبر تحويل الانتماء إلى واقع ملموس وعبر إعادة اكتشاف المشترك في تاريخنا. فنحن شعبٌ لا يحتفل حتى بأعياده الدينية في وقتٍ واحد. نعم لدينا مناسبات كثيرة نحتفل بها ولكن ليس لدينا ما نحتفل به معاً كمواطنين. حتى ذكرى الاستقلال لم يبذل القائمون على الدولة والمجتمع جهداً لجعلها مناسبة جامعة.
ثمة علامة إيجابية أخرى هي استمرار حملة ‘’لا شيعي لا سني بس بحريني’’ التي أطلقها في العام الماضي الأخ محمود ناصر اليوسف[3]. وهي حملة عبّرت عن حاجة شعر بها كثيرون ممن اعتبروا الطائفية هدراً للموارد والطاقات وخطراً على مستقبل الاستقرار في البلاد. وشملت حملة اليوسف تصميم شعارات يحملها المشاركون تأكيداً لافتخارهم بالانتماء للوطن وإدانتهم لمن يهدد وحدة الوطن وسلامه الاجتماعي.
تستحق حملة اليوسف الدعم باعتبارها إحدى الجهود الشعبية للتخلص من خطرٍ يهدد حاضر البلاد ومستقبلها. وهي حملة يستحق اليوسف ومن معه الإعجاب لاستمرارهم فيها رغم الصعوبات الواضحة. فلا يخفى على متابعي تلك الحملة أن ما حصلت عليه من دعم سياسي وإعلامي ومالي طوال العام الماضي لا يصل إلى قدر نقطة من بحر الدعم الذي يحصل عليه أيُ نشاط طائفي. ومعلومٌ أن القوى المستفيدة من الطائفية في مؤسسات الدولة والمجتمع هي قوى راسخة ومتنفذة وقادرة على تمويل أنشطتها. وهي قوى تمكنت، حتى الآن، من إفشال كل المحاولات الهادفة لتحييدها أو إضعافها. ولقد تبين قوتها وقدراتها بوضوح من خلال الحملات الانتخابية وما رافقها من تجييش طائفي أدى إلى توليد تركيبة الطائفية البارزة في البرلمان وكل المجالس البلدية. كما تبين ذلك أيضاً من خلال أساليب تعاطي جهات رسمية وشعبية مع محتويات ‘’التقرير المشهور’’ وتداعياته.
قد لا تكون هذه أسوأ فترة تمر فيها ذكرى استقلال بلادنا. ولكنها بالتأكيد إحدى أسوئها. فمن المحزن حقاً أن تضطر جريدة مثل ‘’الوقت’’ للقيام بحملة من أجل الدفاع عن حق المواطنين في المواطنة. أو أن يحتاج مواطنٌ مثل اليوسف إلى أن يرفع نفس الشعار الذي رفعه أبوه وجيل أبيه قبل خمسين سنة. أو أن يرى خطيب جمعة مثل الجودر ضرورة تذكير النواب المنتخبين بواجباتهم تجاه الناس والوطن. لكنه الواقع الذي لا مفر منه. صحيحٌ إننا في بلدٍ صغير مساحة وسكاناً إلا أننا نعاني من مشاكل وأزمات في حجم بلد كبير. وهي مشاكل وأزمات يعترف بوجودها الجميع على اختلاف مواقعهم في السلطة وخارجها. إلا أن مشاكلنا يتيمة الأبويْن. لا بل هي لقيطة، لا يعترف أحدٌ بأبوته لها ولا يجرؤ الآخرون على نسبتها له.
[1] ‘’قانون للتجريم وحماية الوحدة الوطنية خطوة أولى’’، ‘’الوقت تستأنف حملتها ضد الطائفية والطائفيين’’، الوقت 10 أغسطس/أب .2007
[2] انظر: ‘’الجودر: تصريحات النائبين الأخيرة تزيد المرحلة سوءا وتنذر بالطائفية من خطباء الجمعة والجمعيات الشبابية’’، الوقت 11 أغسطس/آب .2207
[3] لتفاصيل أكثر عن الحملة وعن احتياجاتها، استخدم الوصلة التالية: http://justbahraini.org
- كاتب بحريني - أستاذ علم الاجتماع في جامعة لوند (السويد
Why not leave a comment below and continue the conversation, or subscribe to my feed and get articles like this delivered automatically each day to your feed reader. If you don't have a feed reader, you can always have these articles delivered to your email inbox every day. Click here to sign up.









No comments yet.
Leave a comment
Line and paragraph breaks automatic, e-mail address never displayed, HTML allowed:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>